ابن الجوزي

548

كتاب ذم الهوى

أنبأنا أبو عمر بن حيّويه ، قال : أنبأنا محمد بن خلف ، قال : وجدت في كتاب بعض إخواني من أهل العلم : حدثنا زكريا بن إسحاق ، قال : سمعت مالك بن سعيد يقول : حدثني مشيخة من خزاعة ، أنه كان عندهم بالطائف جارية عفيفة صالحة ، وكانت لها أمّ من خيار النساء لها فضل ودين ، وكانت لهم بضاعة مع رجل من أهل الطائف ، وكان يتّجر لهم بها ويعطيهم فضلها . قال : فبعث الرجل إليهم ذات يوم ابنه في حاجة ، وكان غلاما جميلا ، فدخل والجارية جالسة لم تعلم بدخوله ، فنظر إليها ، وكانت ذات جمال ، فوقعت بقلبه ، فخرج من عندهم وما يدري أين يسلك ، وجعل الأمر يتزايد عليه ، حتى تغيّر عقله ونحل جسمه ، ولزم الوحدة والفكر ، وكتم حاله وجعل لا يقرّه قرار . فلما رأى أهله ذلك حبسوه في بيت وأوثقوه ، فكان ربما أفلت ، فيجتمع عليه الصبيان فيقولون له : مت عشقا ، مت عشقا . قال : وكان يقول إذا كثروا عليه : أأفشي إليكم بعض ما قد أصابني * أم الصبر أهيا بالفتى عندما يلقى سلام على من لا أسمّي باسمها * ولو صرت مثل الطير في غيضة ملقى ألا أيها الصّبيان لو ذقتم الهوى * لأيقنتم أني أحدّثكم حقّا أحبّكم من حبّها وأراكم * تقولون لي مت يا شجاع بها عشقا فلم تنصفوني ، لا ولا هي أنصفت * فرفقا قليلا بالفتى ويحكم رفقا قال : فلما صحّ ذلك عند أهله وعلموا أنه عاشق جعلوا يسألونه عن أمره ، فلا يخبرهم بقصته ولا يجيبهم ، فلما رأوا ذلك منه حبسوه في بيت وقيدوه ، فكان إذا جنه الليل هتف بصوت له حزين يقول : يا ليل أنت رفيقي * من بين أهلي ومالي يا ليل أنت أنيسي * من وحشتي واحتيالي